ابن عجيبة
10
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمن زنا بامرأة ثم تزوجها . فقال : « أوّله سفاح ، وآخره نكاح ، والحرام لا يحرم الحلال » « 1 » . ومعنى الجملة الأولى : وصف الزاني بكونه غير راغب في العفائف ، ولكن في الفواجر . ومعنى الثانية : وصف الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء ، ولكن الزناة ، وهما معنيان مختلفان . وقدّم الزاني هنا ، بخلاف ما تقدم في الجلد ؛ لأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ماجنيا ، والمرأة هي المادة التي منها نشأت تلك الجناية ، كما تقدم ، وأما هنا فمسوقة لذكر النكاح ، والرجل أصل فيه . ثم ذكر الحكم ، فقال : وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي : نكاح الزواني بقصد التكسب ، أو : للجمال ؛ لما في ذلك من التشبه بالفساق وحضور مواضع التهمة ، والتعرض لسوء المقالة والغيبة والطعن في النسب ، وغير ذلك من المفاسد التي لا تكاد تليق بأحد من الأدانى والأراذل ، فكيف بالمؤمنين والأفاضل ؟ ، ولذلك عبّر عن التنزيه بالتحريم ، مبالغة في الزجر ، وقيل : النفي بمعنى النهى ، وقرئ به . والتحريم : إما على حقيقته ، ثم نسخ بقوله : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ . . . « 2 » إلخ ، أو : مخصوص بسبب النزول . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الصحبة لها تأثير في الأصل والفرع ، فيحصل الشرف أو السقوط بصحبة أهل الشرف أو الأراذل ، وفي ذلك يقول القائل : عليك بأرباب الصّدور ، فمن غدا * مضافا لأرباب الصّدور تصدّرا وإيّاك أن ترضى بصحبة ساقط * فتنحط قدرا من علاك وتحقرا فالمرء على دين خليله ، ومن تحقق بحالة لا يخلو حاضروه منها ، والحكم للغالب ، فإن كان النور قويا غلب الظلمة ، وإن كانت الظلمة قوية غلبت النور ، وصيرته ظلمة ، ولذلك نهى اللّه تعالى عن نكاح الزواني ، فإنه وإن كان
--> ( 1 ) هذا حديثان ، الأول قوله « أوله : سفاح وآخره نكاح ، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ( 7 / 202 ) وابن أبي شيبة في مصنفه ( 4 / 248 ) والبيهقي في الكبرى ( 7 / 168 ) . موقوفا على ابن عباس رضي اللّه عنه . والثاني : قوله : « الحرام لا يحرم الحلال ، أخرجه ابن ماجة في ( النكاح ، باب لا يحرم الحرام حلال ، 1 / 649 ح 2015 ) والدارقطني ( 7 / 169 ) عن ابن عمر رضي اللّه عنه . ( 2 ) الآية 32 من سورة النور .